شكيب أرسلان

426

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

ومن الأمثال التي تدلّك على غلوّهم في هذا الباب أنّ جرير بن عطية الشاعر - وكان من تميم - قال في إحدى مفاخراته للأخطل التغلبي : إنّ الذي حرم المكارم تغلبا * جعل النّبوّة والخلافة فينا مضر أبي وأبو الملوك جميعهم * فاعلم فليس أبوكم كأبينا هذا ابن عمّي في دمشق خليفة * لو شئت ساقكم إليّ قطينا فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي ضحك ، وقال : ما زاد ابن الفاعلة على أن جعلني شرطيا عنده ! ! ثم قال وقد نبض به عرق العصبية لمضر : أما واللّه لو شاء لسقتهم إليه . ولم يكن ليفتّ في عضد هذه العصبية الغالية سوى العقيدة الإسلامية التي جعلت الإسلام هو العروة الوثقى وجعلت أخوته فوق كل رابطة . ولذلك قيل : إن العرب لم يكونوا ليتحدوا في يوم من الأيام إلا بالإسلام ، ولولا الإسلام لبقوا شعوبا وقبائل يقتتلون في جزيرة العرب إلى يوم القيامة ، وبأسهم أبدا بينهم ، فلما جاء الإسلام ووحّد بينهم في الدين ، وقال اللّه تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ آل عمران : 103 ] لم يلبثوا أن خرجوا من جزيرة العرب بقوة الاتحاد ؛ ففتحوا نصف العالم في ثمانين سنة ، ولم يقف في وجههم شيء . ولكن بعد أن بعد عهدهم بعهد النبوة وخلافة الراشدين ؛ ضعفت فيهم العقيدة التي كانت هي مدار العمل عند سلفهم ، وعادت فتجدّدت بينهم العصبيات الموروثة عن الجاهلية ، فرجعوا يقتتلون على المضرية واليمنية في الإسلام ، كما كانوا يقتتلون قبل الإسلام ، ورجع بذلك زرعهم هشيما ، وبدرهم عرجونا قديما . فكما أن الأنساب كانت تثير فيهم الحميّة والنخوة ، وتبعث روح التنافس الحافز لهم على طلب المجد ؛ كانت تثير بينهم أيضا العداوات والفتن ، التي تصدع وحدتهم ، وتخمد في النهاية جمرتهم ، فأضرّت من حيث نفعت .